المقدمة

     الجريمة ظاهرة اجتماعية معقدة التركيب، إذ هي خلاصة لتفاعل العوامل: البيولوجية والنفسية والاجتماعية، سعت المجتمعات منذ القدم جاهدة للحد منها. و مع نشأة الدولة ظهرت فكرة العقوبة بمعناها القانوني، مجسدة في إيلام يوقع على الجاني مقابل الضرر الذي ألحقه بمصالح المجتمع بناء على محاكمة عادلة تستهدف الردع العام، أو الجمع بين فكرتي العدالة والمنفعة كما دعت الى ذلك المدرسة التقليدية والمدرسة التقليدية الجديدة، أو تحقيق الردع الخاص كغرض للعقوبة عند المدرسة الوضعية، لتصل الفكرة الى الاهتمام بالجانب الإنساني للمجرم ومفاهيم الإصلاح والتأهيل لدى مدرسة الدفاع الاجتماعي.

     وتميز التشريع الجنائي الإسلامي بسياسة توفق بين مفهوم الإنسانية وحماية مصالح المجتمع على مستوى الوقاية أولا، ومستوى التجريم والعقاب ثانيا.

    وعليه فالسياسة الجنائية هي: سياسة تشريعية في المجال الجنائي، توجه المشرع في اختياره للمصالح الواجب حمايتها في المجتمع. يعد الفيلسوف الألماني "فويرباخ"  أول من استعمل تعبير السياسة الجنائية في بداية القرن التاسع عشر للميلاد، وكان يقصد بها:« مجموعة الإجراءات العقابية التي يمكن اتخاذها في وقت معين في بلد ما، من أجل مكافحة الإجرام فيه.»[1] هذا التعريف ينطلق من تأثر السياسة الجنائية بالفكر الفلسفي الذي ساد كل مرحلة، لكن يبقى غامضا؛ لأنه لا يحدد نطاق هذه السياسة.

أهمية المادة

تأتي أهمية المادة في كونها تنتمي إلى أبحاث السياسة الجنائية وهو مجال لا يزال خصبا في ربط التشريع الاسلامي بالحياة المعاصرة،كما تكتسب أهميتها من المساهمة في معالجة الجريمة والفساد.

الإشكالية

     الإشكالية التي تود هذه المحاضرات معالجتها تتمثل في بيان ملامح السياسة الجنائية، سواء المرتبطة بشق التجريم، أو بشق العقاب لمواجهة الجريمة في التشريع الجنائي الإسلامي بشكل مباشر، وفي التشريعات العقابية الوضعية بالتبع. ولمزيد من إلقاء الضوء على الموضوع، والإحاطة بمختلف عناصره، سنعمل على دراسته من خلال الإجابة على الأسئلة التالية:

ماذا تعني السياسة الجنائية؟ وإذا كانت السياسة الجنائية مقيدة بمبدأ الشرعية الجنائية فما هي الضوابط التي ينبغي أن تستند عليها في ذلك؟ وإذا علمنا أن السياسة الجنائية في كل نظام تسعى إلى تحقيق أهدافه، فإلى أي حد يمكن القول أن المصالح المحمية في هذه الأنظمة هي نفس المصالح التي تسعى السياسة الجنائية في التشريع الإسلامي حمايتها ؟

تطلعات المادة

     سنحاول التطرق في هذه المحاضرات للمبادئ الأساسية التي تحكم السياسة الجنائية في كل من التشريع  الجنائي الإسلامي والأنظمة العقابية المعاصرة.

- الوقوف على السياسة الجنائية الوضعية وتلمس مواقع الخلل فيها .

- معرفة الحلول التي قدمها التشريع الجنائي الاسلامي للسياسة الجنائية من أجل مكافحة الجريمة والفساد.

منهج البحث :

    المنهج المناسب للعلوم الإنسانية بشكل عام هو المنهج الوصفي، لكن طبيعة المحاضرات تقتضي الاستعانة بالمنهج الاستقرائي في تتبع رؤى المدارس العقابية المختلفة ومنها التشريع الجنائي الاسلامي، من أجل رصد المبادئ والقواعد السائدة فيها، وما انتهت إليه من نتائج، والمنهج التحليلي في تحليل النصوص و الآراء الفقهي، إضافة إلى المنهج المقارن في الحدود التي تسمح بالمقارنة بين التشريع الجنائي الإسلامي والتشريعات الجنائية الوضعية.

الخطة الإجمالية:

المفردات العلمية لهذه المادة أنتجت أربع عشرة محاضرة على الشكل التالي:

المحاضرة الأولى: السياسة الجنائية: المفهوم و التطور

المحور الأول: مفهوم السياسة الجنائية

المحور الثاني: تطور السياسة الجنائية

المحاضرة الثانية:  فروع السياسة الجنائية في التشريع الإسلامي

المحور الأول: سياسة التجريم، و العقاب في التشريع الجنائي الإسلامي

المحور الثاني: سياسة الوقاية والمنع في التشريع الجنائي الإسلامي

المحاضرة الثالثة:  أهم مدارس السياسة الجنائية

المحور الأول: الـمدرسة الكلاسيكية التقليدية

المحور الثاني: المدرسة الـوضــعيــة

المحور الثالث: مدرسة الـدفـاع الاجتماعي

المحاضرة الرابعة: مصادر السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية

المحور الأول: المصادر الأصلية

المحور الثاني المصادر الثانوية:

المحاضرة الخامسة: أسس السياسة الجنائية في التشريع الإسلامي

المحور الأول: الشرعية الجنائية

المحور الثاني:عدم رجعية النصوص المجرمة الى الماضي

المحاضرة السادسة: اثر السياسة الجنائية للتشريع الإسلامي في السلوك الإجرامي، و المساهمة الجنائية

المحور الأول: السلوك الإجرامي في السياسة الجنائية للتشريع الإسلامي

 المحور الثاني: أثر السياسة الجنائية في المساهمة الجنائية

المحاضرة السابعة: المسئولية الجنائية، وموانعها في التشريع  الجنائي الاسلامي

المحور الأول: المسؤولية الجنائية في التشريع الجنائي الإسلامي

المحور الثاني: موانع المسؤولية الجنائية في التشريع الجنائي الإسلامي

المحاضرة الثامنة: السياسة الجنائية في التشريع الإسلامي، وعلاقتها بالعقوبة

المحور الأول: السياسة الجنائية و الجزاء الجنائي في التشريع الإسلامي

المحور الثاني: اثر السياسة الجنائية في أغراض الجزاءات الجنائية

المحاضرة التاسعة: السياسة الجنائية ودور المجتمع في الحد من العقاب، [نظرية الشبهة]

المحور الأول: قاعدة الشبهة: معناها، آراء الفقهاء في العمل بها.

المحور الثاني: العلاقة بين قاعدة: الحدود تدرأ بالشبهات. وقاعدة: اليقين لا يزول بالشك.

المحاضرة العاشرة:السياسة الجنائية ودور الجاني في الحد من العقاب [نظرية التوبة]

المحور الأول: التوبة: مفهومها، شروطها، وتجلياتها في التشريع الوضعي.

المحور الثاني: التوبة في التشريع الإسلامي.

المحاضرة الحادية عشرة: دور المجني عليه في الحد من العقاب [نظرية العفو عن القصاص]

المحور الأول: مفهوم القصاص، وأنواعه، وأحكامه

المحور الثاني: حقيقة العفو، وتقسيماته

المحاضرة الثانية عشرة: تداخل الحدود في التشريع الجنائي الإسلامي

المحور الأول: تداخل الحدود،وعلاقتها بارتباط الجرائم، المفهوم، الأساس، الشروط.

المحور الثاني:أحكام تداخل الجرائم، وعقوباتها،في الفقه الإسلامي

المحاضرة الثالثة عشرة: السياسة الجنائية والتعزير في التشريع الجنائي الإسلامي

المحور الأول: السياسة الجنائية والتعزير بعقوبة الحبس[السجن]

 المحور الثاني: السياسة الجنائية والتعزير بالغرامة المالية

المحاضرة الرابعة عشرة: السياسة الجنائية والإثبات الجنائي

مدخل: الإثبات في التشريعين الإسلامي والوضعي

المحور الأول: الإقرار ودوره في إثبات الحكم في التشريع الجنائي الإسلامي

المحور الثاني: الحكم بالشهادة و القرائن في التشريع الجنائي الإسلامي

 

 



[1]منصور رحماني، علم الإجرام والسياسة الجنائية، الجزائر: دار العلوم للنشر والتوزيع، 2006 ص:157